عبد الله بن أحمد النسفي
68
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 24 ] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) مِثْلِهِ « 1 » عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ « 2 » ولأنّ الكلام مع ردّ الضمير إلى المنزّل أحسن ترتيبا . وذلك أنّ الحديث في المنزّل لا في المنزّل عليه ، وهو مسوق إليه فإنّ المعنى وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزل من عند اللّه فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله ، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول اللّه عليه السّلام « 3 » أن يقال وإن ارتبتم في أنّ محمدا منزّل عليه فهاتوا قرآنا من مثله ، ولأنّ هذا التفسير يلائم قوله : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غير اللّه ، وهو متعلق بشهداءكم ، أي ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون اللّه وزعمتم أنّهم يشهدون لكم يوم القيامة أنّكم على الحقّ ، أو من يشهد لكم بأنّه مثل القرآن إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ ذلك مختلق وأنّه من كلام محمد عليه السّلام ، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ، أي إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا أنتم بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك . 24 - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ لمّا أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون صدق النبي عليه السّلام ، قال لهم فإذا لم تعارضوه وبان عجزكم ووجب تصديقه فآمنوا وخافوا العذاب المعدّ لمن كذّب ، وعاند « 4 » . وفيه دليلان على إثبات النبوة ، صحة كون المتحدّى به معجزا ، والإخبار بأنهم لن يفعلوا ، وهو غيب لا يعلمه إلا اللّه ، ولما كان العجز عن المعارضة قبل التأمل كالشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم ، واعتمادهم على بلاغتهم ، سيق الكلام معهم على حسب حسبانهم ، فجيء بأن الذي للشك دون إذا الذي للوجوب ، وعبر عن الإتيان بالفعل لأنه فعل من الأفعال ، والفائدة فيه أنّه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارا إذ لو لم يعدل عن « 5 » لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل لاستطيل أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ، ولا محلّ لقوله ولن تفعلوا لأنّها جملة اعتراضية ، وحسن هذا الاعتراض أنّ لفظ الشرط للتردد فقطع التردد بقوله ولن تفعلوا . ولا ولن أختان في نفي المستقبل ، إلا أنّ في لن تأكيدا ، وعن الخليل أصلها لا أن « 6 » ، وعند
--> ( 1 ) هود ، 11 / 13 . ( 2 ) الإسراء ، 17 / 88 . ( 3 ) ليست في ( ظ ) وفي ( ز ) صلى اللّه عليه وسلم . ( 4 ) زاد في ( ظ ) أي عارض . ( 5 ) في ( ز ) من . ( 6 ) في ( ظ ) إلا عن .